الشيخ محمد رشيد رضا

82

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بني إسرائيل أمرهم بأن يعبدوا اللّه وحده ولا يشركوا به شيئا ، وان يرجعوا عن الايمان بالجبت والطاغوت ، وعن اتباع الهوى وعبادة المال ، وايثار شهوات الأرض على ملكوت السماء ، وزهدهم في الحياة الدنيا ، وحثهم على حق التقوى ، وبشرهم بالنبي الخاتم الذي يبين لهم كل شيء ، ويقيمهم على صراط الاعتدال ، ويهديهم إلى الجمع بين حقوق الأرواح وحقوق الأجساد وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ أي وهو تحقيق كلمته التي ألقاها إلى أمه مريم ومصداقها ، والمراد كلمة التكوين أو البشارة ، فإنه لما أرسل إليها الروح الأمين جبريل عليه السّلام بشرها بأنه مأمور بأن يهب لها غلاما زكيا فاستنكرت أن يكون لها ولد وهي عذراء لم تتزوج فقال لها ( 3 : 47 كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ « كُنْ » فَيَكُونُ ) فكلمة « كُنْ » هي الكلمة الدالة على التكوين بمحض قدرة اللّه تعالى عند ارادته خلق الشيء وايجاده وقد خلق المسيح بهذه الكلمة . وفي تفسيرها وجوه أخرى سبقت في الجزء الثالث من التفسير ( ص 304 ) والإلقاء يستعمل في المعاني والكلام كما يستعمل في المتاع ، قال تعالى ( 16 : 86 فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ 87 وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ ) ومعناه الطرح والنبذ . فلما عبر اللّه عن التكوين أو البشارة بالكلمة حسن التعبير بقوله « وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ » أي أوصلها إليها وبلغها إياها وأما قوله وَرُوحٌ مِنْهُ ففيه وجهان ( أحدهما ) ان معناه انه مؤيد بروح منه تعالى . ويوضحه قوله فيه ( 2 : 253 وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ) وقال في صفات المؤمنين الذين لا يوادون من حادّ اللّه ورسوله ولو كان من ذوي القربى ( 58 : 22 أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ) ( وثانيهما ) ان معناه انه خلق بنفخ من روح اللّه وهو جبريل عليه السّلام ، ويوضحه قوله تعالى في أمه ( 21 : 91 وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا ) وقال تعالى فيها ( 19 : 16 فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا ) كما قال في خلق الانسان بعد ذكر بدئه من طين ( 22 : 8 ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ 9 ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ ) وقال بعضهم ان المراد بالروح هنا النفخ أي نفخ الملك بأمر اللّه في مريم فإنه استعمل بمعنى النفخ والنفس